صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

108

تفسير القرآن الكريم

ومن غير تحقق الوجه الذي يؤدى العمل به إلى حصول الثمرة الأخروية التي بذرها المعرفة الثابتة في القلب أولا ، وهذه الأعمال بمنزلة السقي لها . إذ التحقيق ان وجود الاعتقادات الايمانية والمعارف الإلهية إذا قوي في الباطن واشتد رسوخها في القلب يؤدي بصاحبها إلى صورة النعيم الأخروي ، بل هذه سيصير هي إذا رسخت في الباطن ، كما أن الميل إلى اللذات الحسية والاعتقاد بوجودها وركون النفس إليها والإخلاد إلى عالمها ، إذا تكررت ورسخت في الباطن ينجر إلى عذاب الجحيم كما أشرنا إليه سابقا . وفي القرآن آيات كثيرة دالة على ثبوت هذا الانجرار ، كقوله تعالى في الأعراف : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ 7 / 43 ] وكقوله تعالى في يس : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ 36 / 54 ] وفي النجم وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ 53 / 39 - 42 ] وكما في قوله تعالى : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ [ 6 / 139 ] وقوله تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ 3 / 30 ] وقوله : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [ 29 / 54 ] وقوله في سورة الشورى : تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ [ 42 / 22 ] إلى غير ذلك من الآيات . ومما يدل أيضا على أن السعادة الأخروية والقرب عند اللّه والوصول إلى الخير الحقيقي منوطة بالحكمة والمعرفة ، واللّه الهادي والموفق لهما ، وأن الصارف للإنسان عن طلبها والباعث عن الإعراض عنها والرضاء بالجهل هو الشيطان اللعين الباعث لطلب الجاه والدنيا والشهرة عند الناس والخوف عن زوال الثروة والعزة قوله سبحانه : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ 2 / 269 ] . وكما أن السّعادة الأخروية منوطة بالحكمة ، فكذلك التوغل في الدنيا